أبي نعيم الأصبهاني
292
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء
مذعنا مصدقا بلا مباحثة التنفير ولا مفاتشة التفكير جل اللّه وعلا الذي ليس له نظير ولا يبلغ كنه معرفته خالص التفكير ولا تحويه صفة التقدير ، السماوات مطويات بيمينه والأرض جميعا قبضته يوم القيامة الظاهر على كل شيء سلطانا وقدرة والباطن لكل شيء علما وخبرة خلق الأشياء على غير مثال ولا عبرة ولا تردد ولا فكرة تعالى وتقدس أن يكون في الأرض ولا في السماء وجل عن ذلك علوا كبيرا ، أقام لقلوب الموقنين مدا يمسكه التسليم عن التيه في بحور الغيوب المضروبة دون ذي الجلال والكبرياء . فشكر لهم تسليمهم واعترافهم بالجهل بما لا علم لهم به وسمى ذلك منهم رسوخا وربانية أو إيمانا لقوله تعالى : ( وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا ) وما خبر عن ملائكته إذ قالوا ( لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا ) عجزت الملائكة المقربون أن تحد أحسن الخالقين أو تكيف صفة رب العالمين فهم خشوع خضوع خنوغ في حجرات سرادقات العرش محبوسون أن يتأملوا ساطع النور الأوهج فهم يضجون حول عرشه بالتقديس ضجيجا ويعجون بالتسبيح عجيجا باهتون راهبون خائفون مشفقون وجلون لما بدا لهم من عظيم القدرة ولما أيقنوا به وسلموا له من شموخ الرفعة ، فكيف تطمع يا أخي نفسك أو تطلق فكرك في شيء من الاحتواء على صفة من هذا وصفه . وقانا اللّه تعالى وإياك اعتراض الشكوك ، وعصمنا وإياك في كنف تأييده من التخطى بالأفهام إلى اكتناه من لا تهجم عليه الظنون ولا تلحقه في العاجلة العيون ، جل وتعالى عن خطرات الهفوات وعن ظنون الشبهات علوا كبيرا : فبهذا فاعرف ربك ومولاك ومن لا تأخذه سنة ولا نوم ، فيكون سلاحك وعظم عدتك ومجاهدتك وجنتك من عدوك عند من يلقى إليك في خالقك . فهذا الذي وصفت لك فاليه فالتجئ وبه فاستمسك ثم عد اليه بملق اللوذان ، واستكانة الخضوع أن يعصمك اللّه ويثبتك فهو المثبت لقلوب أوليائه بصحة اليقين من الزوال كما أمسك أرضه بالجبال من الزلزال والسلام . * سمعت أبا محمد عبد اللّه بن محمد يقول سمعت عمرو بن عثمان يقول :